
القبطان عبدالله علي الفرحان
رئيس المركز الاوروبي للدراسات الاستراتيجية في الشؤون البحرية والامن البحري
لم يعد البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي مجرد مسطحات مائية تفصل بين قارات، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح مفتوح لإعادة تشكيل موازين الأمن البحري العالمي. فهذه المنطقة التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر مضيق باب المندب وقناة السويس لم تعد تُقرأ جغرافياً فقط، بل أضحت تُفهم اليوم بوصفها عقدة استراتيجية تختلط فيها المصالح الاقتصادية بالتجاذبات العسكرية والتنافس الجيوسياسي.
تكمن حساسية هذا الممر في كونه أحد أهم الشرايين التي تمر عبره التجارة الدولية، إذ تعبره نسبة معتبرة من تجارة الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، ومع اتساع الاعتماد العالمي على سلاسل الإمداد البحرية، تحوّل أي اضطراب أمني في هذا النطاق إلى أزمة تتجاوز الإقليم لتصيب الاقتصاد العالمي مباشرة، وهو ما بدا واضحاً مع تزايد استهداف السفن التجارية وتحويل مسارات الملاحة بعيداً عن البحر الأحمر نحو رأس الرجاء الصالح، في مشهد أعاد للأذهان هشاشة الاعتماد المفرط على الممرات الضيقة.
تاريخياً، ارتبطت التهديدات في خليج عدن بظاهرة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، غير أن طبيعة المخاطر تطوّرت جذرياً ، فالقرصنة التقليدية تراجعت نسبياً بفعل الدوريات الدولية، لكن المشهد الأمني لم يهدأ، بل أعاد تشكيل نفسه في صور أكثر تعقيداً، من تهريب السلاح والبشر إلى شبكات الجريمة البحرية المنظمة التي تستفيد من هشاشة الدول الساحلية وضعف قدراتها الرقابية.
غير أن التحول الأخطر تمثّل في انتقال التهديد من نمط الجريمة البحرية إلى نمط الاستهداف العسكري المباشر للملاحة. فالهجمات التي طالت سفناً تجارية في البحر الأحمر أدخلت الممر في معادلة الصراع الإقليمي، وجعلت السفن التجارية نفسها جزءاً من مسرح العمليات، استخدام الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة غيّر قواعد أمن الملاحة، وأعاد تعريف مفهوم “المخاطر البحرية” من مخاطر جنائية إلى تهديدات عسكرية هجينة يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها بسرعة.
هذا التصعيد لم يبقَ محصوراً في نطاقه الجغرافي الضيق، بل ارتدّ فوراً على الاقتصاد العالمي، فقد شهدت حركة العبور عبر قناة السويس تراجعاً ملحوظاً خلال فترات التصعيد، كما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، واضطرت شركات نقل كبرى إلى تغيير مساراتها، هذا التحول زاد زمن الرحلات وكلفتها، ما انعكس على أسعار السلع وسلاسل الإمداد، وأعاد إلى الواجهة هشاشة النظام التجاري العالمي أمام الاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية.
وفي سياق هذا القلق الدولي المتصاعد، لم تعد المخاوف محصورة في التقارير التحليلية أو التقديرات الاستخباراتية فحسب، بل باتت حاضرة بقوة في الإحاطات الدولية رفيعة المستوى، وخلال حضوري إحدى الإحاطات الرسمية للأمين العام للمنظمة البحرية الدولية في لندن، كان ملف أمن البحر الأحمر وخليج عدن حاضراً بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحاً على جدول الأمن البحري العالمي، حيث طُرحت التهديدات المرتبطة بالممرات القريبة من السواحل اليمنية ضمن النقاشات المتعلقة بسلامة الملاحة الدولية واستدامة سلاسل الإمداد، وقد عكس ذلك إدراكاً متزايداً داخل الأوساط البحرية الدولية بأن استقرار اليمن الساحلي لم يعد شأناً محلياً، بل عنصراً مؤثراً في أمن الطاقة والتجارة العالمية.
في المقابل، دفع تصاعد المخاطر إلى عسكرة غير مسبوقة للممرات البحرية. فقد عززت قوى دولية وجودها العسكري عبر دوريات بحرية وعمليات مرافقة للسفن واعتراض للتهديدات الجوية والبحرية، ما حوّل البحر الأحمر من ممر تجاري إلى فضاء أمني مشبع بالقوة العسكرية. هذا الحضور الكثيف يعكس إدراكاً دولياً بأن أمن الملاحة في هذا النطاق لم يعد شأناً إقليمياً، بل مصلحة اقتصادية عالمية مشتركة.
ولا يمكن قراءة أمن البحر الأحمر بمعزل عن امتداده الطبيعي شرقاً نحو البحر العربي، حيث تتقاطع خطوط الملاحة القادمة من الخليج والهند وشرق آسيا. فالسفن الخارجة من باب المندب لا تغادر نطاق الخطر فوراً، بل تدخل مسرحاً أوسع تحكمه معادلات أمنية مشابهة، من تهريب السلاح إلى نشاط الجماعات المسلحة والتوترات الإقليمية. بذلك يصبح أمن البحر العربي عمقاً استراتيجياً مباشراً لأمن البحر الأحمر، لا هامشاً منفصلاً عنه.
التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في طبيعة التهديدات، بل في تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بها. فالصراعات الإقليمية، والحروب بالوكالة، والتنافس الدولي على النفوذ البحري، جميعها عوامل تجعل من الصعب تخيّل استقرار سريع في هذا الممر، كما أن الأمن البحري لم يعد مقتصراً على حماية السفن، بل توسّع ليشمل أمن الموانئ، والبنية التحتية الساحلية، وحتى الأمن السيبراني المرتبط بإدارة النقل البحري.
في ضوء ذلك، يتضح أن البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي لم تعد مجرد طرق عبور، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية تختبر فيها الدول قدرتها على حماية التجارة والطاقة والاستقرار الاقتصادي. وأي خلل أمني في هذه الجغرافيا لا يبقى محلياً، بل يمتد أثره فوراً إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وحركة التجارة.
لهذا، يمكن القول إن أمن هذه المنطقة لم يعد قضية تخص الدول المطلة عليها فحسب، بل أصبح عنصراً محورياً في معادلة الأمن الاقتصادي الدولي، حيث تتقاطع فيه المصالح البحرية مع موازين القوة العالمية، في واحدة من أكثر الجغرافيات البحرية توتراً وتأثيراً في العالم المعاصر.



