
مقال رأي — القبطان عبدالله علي الفرحان
رئيس المركز الأوروبي للدراسات الإستراتيجية في الشؤون البحرية والأمن البحري
عند تقييم المؤسسات التعليمية المتخصصة، لا يكفي الاحتفاء بتاريخها أو تعداد خريجيها، بل يُقاس أثرها الحقيقي بمدى إسهامها في بناء الكفاءة المهنية، وتأثير خريجيها في القطاعات الحيوية، وقدرتها على مواكبة المعايير الدولية المتغيرة. ومن هذا المنظور، تمثل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تجربة عربية جديرة بالقراءة المتأنية، بعد أكثر من خمسين عاماً من العمل في مجالات التعليم والتدريب البحري والنقل واللوجستيات، إضافة إلى مجالات الهندسة، والحوسبة، والإدارة، والتكنولوجيا المتقدمة.
بوصفـي أحد خريجي هذه الأكاديمية العريقة، ومن واقع تجربة شخصية ومهنية لاحقة، أستطيع القول إن القيمة الأساسية التي تقدمها لا تكمن في المناهج وحدها، بل في البيئة المهنية المنضبطة التي تُدرّب الطالب على التفكير التطبيقي، وتحمل المسؤولية، والعمل وفق معايير تشغيل وسلامة دقيقة. هذه العناصر التي قد لا تظهر بوضوح في توصيف البرامج هي في الواقع ما يصنع الفارق الحقيقي في أداء الخريج داخل الميدان لاحقاً، سواء في القطاعات البحرية أو في المجالات التقنية والإدارية المرتبطة بها.
وعلى امتداد مسيرتها، لم تقتصر الأكاديمية على تخريج كوادر بحرية بالمعنى التقليدي، بل تطورت لتضم كليات وبرامج متعددة، من بينها كليات الهندسة، والحاسبات وتكنولوجيا المعلومات، والإدارة والتكنولوجيا، واللوجستيات، بما في ذلك تخصصات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، وإدارة الأعمال. وقد أسهم هذا التنوع في رفد قطاعات مختلفة بكفاءات مؤهلة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، وهو ما يفسر الحضور الواسع لخريجي الأكاديمية في مواقع تشغيلية وقيادية داخل مؤسسات وشركات وهيئات عربية ودولية.
من زاوية المتابعة المهنية الدولية، وخلال حضوري ومشاركتي في اجتماعات وفعاليات متخصصة ، من بينها اجتماعات المنظمة البحرية الدولية وغيرها من المحافل المعنية بالشأن البحري، يتكرر حضور اسم الأكاديمية في النقاشات المهنية المرتبطة بالتدريب، والمعايير، وبناء الكفاءات. هذا الحضور لا يُفهم بوصفه دعاية أو مجاملة مؤسسية، بل سمعة مهنية تراكمية تشكلت عبر سنوات من جودة التدريب واستمرارية الأداء المؤسسي. ففي مثل هذه البيئات الدولية، لا يُذكر اسم أي مؤسسة ولا يستمر حضوره إلا إذا كان مدعومًا بأداء فعلي وخريجين قادرين على العمل وفق الأطر والمعايير المعتمدة دوليًا.
ولا يحدث التطور المؤسسي تلقائياً، بل يرتبط عادة برؤية إدارية واضحة. وفي هذا السياق، يبرز دور الدكتور إسماعيل عبد الغفار إسماعيل فرج رئيس الأكاديمية في مرحلة التحديث والتوسع التي شهدتها الأكاديمية خلال السنوات الماضية. فقد ارتبطت هذه المرحلة بتطوير البنية التدريبية، وتوسيع نطاق الكليات والبرامج، وتعزيز الشراكات الأكاديمية والصناعية، ورفع مستوى الحضور المهني والعلمي إقليمياً ودولياً. وقيمة أي قيادة تعليمية، في هذا الإطار، تُقاس بقدرتها على تحويل المؤسسة من كيان تعليمي تقليدي إلى منصة معرفة وتدريب متعددة التخصصات، مرتبطة بالصناعة الفعلية ومتطلبات المستقبل.
الإشادة بمؤسسة تعليمية لا تعني وضعها فوق المراجعة أو النقد، فالتحديات في قطاعات النقل البحري، والهندسة، والتكنولوجيا، والإدارة تتغير بسرعة، ومعايير التدريب والتقنية تتطور باستمرار، والمنافسة الدولية في التعليم المتخصص شديدة. ومن ثمّ، فإن الحفاظ على المكانة يتطلب تحديثاً دائماً للمناهج، وتوسيعاً للبحث التطبيقي، وتعميقاً للربط مع الصناعة، باعتبار ذلك مساراً مستمراً لا يتوقف عند إنجازات الماضي.
ومع ذلك، وبميزان موضوعي، يمكن القول إن الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري نجحت في ترسيخ نفسها كبيت خبرة عربي معتبر، ليس في قطاع النقل البحري فحسب، بل كمؤسسة تعليمية متعددة التخصصات ذات ثقل مهني، بحضور ملحوظ على المستويين الإقليمي والدولي.
بالنسبة لي شخصياً، يبقى الانتماء إلى هذه المؤسسة مصدر فخر مهني، لا بدافع العاطفة، بل لأن ما تعلمته فيها شكّل قاعدة صلبة في فهم الانضباط المهني والعمل المؤسسي، وما زلت أرى أثر ذلك في مساري حتى اليوم. وفي المحصلة، فإن المؤسسات التعليمية لا تُقاس بما تمنحه يوم التخرج، بل بما يظل حاضرًا في أداء خريجيها بعد سنوات من مغادرة القاعات.



