
لا يكفي أن تكون الحاوية مغلقة بإحكام حتى تصل بسلام إلى وجهتها. فعلى متن سفن الحاويات، تتعرض آلاف الوحدات لقوى ناتجة عن حركة السفينة طولياً ورأسياً وعرضياً، ويمكن لأي خلل في التخطيط أو التثبيت أن يحول حمولة تجارية عادية إلى خطر على السفينة والطاقم والبيئة البحرية.
وتضع المنظمة البحرية الدولية IMO مسألة رص البضائع وتثبيتها ضمن صميم متطلبات السلامة البحرية. ويؤكد مدونة الممارسات الآمنة لرص البضائع وتثبيتها (CSS Code) أن التخطيط والتنفيذ والإشراف الصحيح، إلى جانب خبرة العاملين ومعرفتهم بدليل تأمين البضائع الخاص بالسفينة، عناصر أساسية لمنع تحرك الشحنات أثناء الرحلة.
لماذا تتحرك الحاويات رغم وزنها؟
عندما تواجه السفينة أمواجاً ورياحاً قوية، لا تتحرك في اتجاه واحد فقط. فالتدحرج والميل والحركة الرأسية والطولية تولد تسارعات وقوى كبيرة تنتقل إلى رصات الحاويات. ولهذا تستخدم السفن تجهيزات مثل أقفال الزوايا وقضبان التثبيت وأجهزة الشد، ضمن ترتيبات محسوبة وفق موقع الحاوية وارتفاع الرصة وظروف الرحلة المتوقعة.
وتشدد IMO على أن قرارات الربان المتعلقة بقيادة السفينة، خصوصاً في الطقس السيئ، ينبغي أن تراعي نوع الحمولة ومكان رصها وترتيبات تثبيتها. كما يبقى الربان مسؤولاً عن سلامة الرحلة والسفينة والطاقم والبضائع.
التثبيت يدخل عصر البرمجيات
الأهمية المتزايدة للجانب الرقمي ظهرت مجدداً في أعمال الدورة الثانية عشرة للجنة الفرعية لنقل البضائع والحاويات (CCC 12)، التي انعقدت في لندن من 14 إلى 18 سبتمبر 2026. ومن الملفات المطروحة استكمال العمل على مراجعة الإرشادات الخاصة بإعداد دليل تأمين البضائع، بهدف إدخال معيار أداء منسق لبرمجيات حساب التثبيت، بحيث تستخدم هذه البرامج كأداة مكملة للدليل المعتمد على متن السفينة.
الفكرة ليست استبدال الخبرة البحرية ببرنامج حاسوبي، بل إعطاء الطاقم والمخططين وسيلة أكثر اتساقاً لتقييم القوى المؤثرة على الرصات وترتيبات التثبيت قبل الإبحار وأثناء التخطيط للحمولة. ومع ازدياد أحجام سفن الحاويات وارتفاع الرصات على السطح، تصبح دقة الحسابات أكثر أهمية.
المشكلة تبدأ أحياناً قبل وصول الحاوية إلى السفينة
السلامة لا تتوقف عند قضبان التثبيت على السطح. فمدونة CTU التي طورتها IMO بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا تتناول أيضاً كيفية تعبئة وتثبيت البضائع داخل وحدات النقل نفسها عبر سلسلة النقل المتعدد الوسائط. سوء توزيع الوزن، أو عدم تثبيت الحمولة داخل الحاوية، أو الإعلان غير الصحيح عن محتوياتها قد يخلق مخاطر لا يستطيع طاقم السفينة رؤيتها من الخارج.
ولهذا فإن حماية الحاوية في البحر تبدأ عملياً من المستودع أو المصنع، ثم تمتد إلى الشاحن والناقل البري والميناء ومحطة الحاويات ومخطط السفينة والطاقم. أي ضعف في هذه السلسلة قد يظهر لاحقاً في أسوأ وقت: أثناء طقس قاسٍ وفي عرض البحر.
ماذا يعني ذلك لقطاع الشحن العربي؟
بالنسبة للموانئ وخطوط الملاحة العربية الواقعة على طرق رئيسية بين آسيا وأوروبا، فإن تحسين جودة التعبئة والوزن المعلن والتثبيت والتدريب ليس مسألة تشغيلية داخل السفينة فقط، بل جزء من موثوقية سلسلة الإمداد. فقدان حاوية في البحر قد يعني أضراراً للبضائع والسفينة، مخاطر ملاحية وتلوثاً محتملاً، إضافة إلى التأخير والمطالبات التأمينية.
ومع اتجاه IMO إلى تعزيز المعايير التقنية والرقمية، يصبح من المهم أن تتابع شركات الشحن والموانئ ومراكز التدريب البحري العربية تطورات برمجيات التثبيت ومتطلبات دليل تأمين البضائع، وأن تربطها بالتدريب العملي للضباط والعاملين في عمليات الشحن.
للمزيد من المواد المتخصصة يمكن متابعة قسم أخبار المنظمة البحرية الدولية في SN عربية، والتعرف على القبطان عبدالله علي الفرحان.
المصادر:
IMO – Code of Safe Practice for Cargo Stowage and Securing (CSS Code)
IMO/ILO/UNECE – CTU Code
IMO – Meeting Summaries and Schedule
الصورة: Danny Cornelissen / PortPictures.nl عبر Wikimedia Commons – استخدام مسموح مع نسب الصورة للمصور.




