
القبطان عبدالله الفرحان
أكتب هذه الكلمات اليوم من أروقة المنظمة البحرية الدولية (IMO) في لندن، حيث أتابع أعمال المنظمة وقضايا النقل البحري العالمي. وبين جدران هذا الصرح الدولي العريق، استوقفتني صور احتفال الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بتخريج الدفعة 105، فعادت بي الذاكرة سنوات طويلة إلى الوراء، إلى ذلك المكان الذي لم يكن مجرد جامعة بالنسبة لي، بل كان حلماً عربياً يتحول إلى واقع أمام أعيننا كل يوم.
ما زلت أتذكر صباحات الأكاديمية الجميلة، عندما كنا نجتمع من مختلف الدول العربية، نحمل جنسيات متعددة لكننا نشعر أننا أبناء وطن واحد. كنا نستمع إلى أسماء الدول العربية بكل فخر، ثم نردد جميعاً بصوت واحد:
“تحيا الأمة العربية”.
كانت لحظة تختصر الكثير من المعاني. لم تكن مجرد كلمات نرددها في طابور الصباح، بل كانت رسالة تُغرس في نفوسنا، وهوية عربية جامعة تجعل الطالب يشعر أنه يعيش داخل وطن عربي كبير يمتد من المحيط إلى الخليج.
في الأكاديمية العربية لم نتعلم العلوم فقط، بل تعلمنا معنى الانتماء. تعلمنا أن العلم يمكن أن يكون جسراً للوحدة، وأن أبناء الأمة العربية قادرون على الاجتماع تحت راية المعرفة والعمل والنجاح. هناك كنا نرى اليمني إلى جانب المصري، والسوري إلى جانب العراقي، والخليجي إلى جانب المغربي، دون أن يشعر أحد بالغربة، لأن الأكاديمية كانت بيتاً للجميع.
وعندما شاهدت الصور الأخيرة لحفل تخريج الدفعة 105، ورأيت الطلبة وهم يجسدون بخطواتهم خريطة الوطن العربي ويرفعون راية الانتماء والفخر، أدركت أن الرسالة التي حملتها الأكاديمية منذ تأسيسها ما زالت حية، وأن هذا الصرح ما زال يؤدي دوره في إعداد أجيال تؤمن بالعلم والعروبة والعمل المشترك.
لقد نجح الأستاذ الدكتور إسماعيل عبد الغفار إسماعيل فرج في أن يحافظ على هذه الروح وأن يطور هذا الصرح العربي الكبير حتى أصبح واحداً من أبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة في المنطقة والعالم. فالأكاديمية لم تكن يوماً مجرد مؤسسة تمنح شهادات، بل كانت مشروعاً حضارياً عربياً يصنع الكفاءات ويغرس القيم ويعزز الانتماء.
هناك تعلمنا علوم النقل البحري والهندسة والإدارة واللوجستيات، لكننا تعلمنا أيضاً الانضباط والقيادة والعمل الجماعي والثقة بالنفس. تعلمنا أن النجاح لا يتحقق بالعلم وحده، بل بالإيمان بالرسالة التي يحملها الإنسان أينما ذهب.
واليوم، وبعد سنوات من التخرج، وأنا أعمل من خلال شركتي في مجال الشحن والتجارة البحرية الدولية، وأتابع عن قرب أعمال المنظمة البحرية الدولية والتطورات المتسارعة في قطاع النقل البحري العالمي، أدرك أن جزءاً كبيراً مما وصلت إليه يعود إلى تلك السنوات التي قضيتها داخل أسوار الأكاديمية العربية، حيث تشكلت شخصيتي المهنية وتعلمت أسس العمل البحري والقيادة والانضباط وتحمل المسؤولية.
وكلما رأيت إنجازاً جديداً للأكاديمية أو شاهدت دفعة جديدة من خريجيها، أشعر بالفخر لأنني كنت جزءاً من هذه المؤسسة العريقة التي خرّجت آلاف الكفاءات العربية المنتشرة اليوم في مختلف أنحاء العالم، والتي ما زالت تحمل رسالتها في مختلف الموانئ والشركات والمؤسسات والهيئات الدولية.
وفي الختام، أتوجه بتحية حب ووفاء وعرفان إلى الأستاذ الدكتور إسماعيل عبد الغفار إسماعيل فرج، الذي لم يكن مجرد رئيس للأكاديمية، بل قائداً حمل رسالة آمن بها وعمل على ترسيخها في نفوس أجيال متعاقبة من أبناء الأمة العربية. كما أتقدم بالشكر والتقدير لكل من عمل ويعمل في هذا الصرح العظيم، من أعضاء هيئة التدريس والقيادات الأكاديمية والموظفين والعاملين، الذين ساهموا بإخلاص في بناء هذه المؤسسة والمحافظة على مكانتها وريادتها.
وتحية تقدير لكل من ساهم في مسيرة الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وتحية فخر واعتزاز لهذا الصرح العربي الذي سيبقى منارة للعلم ورمزاً للوحدة العربية.
تحيا الأمة العربية.



